حين يصبح التنوع تهمة

يمنات
سمية زكي البطاط*
أخطر ما يفعله الاستعمار ليس أن يدخل بمدرعاته، بل أن يدخل إلى العقول في هيئة أفكار مألوفة، وعبارات تبدو بريئة، ومعانٍ تتسلل بهدوء حتى تستقر في اللاوعي. فالاحتلال الحقيقي لا يبدأ من الأرض، بل من الوعي.
حين ينجح الخطاب المهيمن في إقناع مجتمعٍ ما بأن تنوعه لعنة، وأن اختلافه الداخلي خطر، وأن تاريخه الثقيل عبءٌ يجب التخلص منه، فإنه يكون قد أنجز أخطر مراحله في جعل الضحية تشارك في هدم نفسها.
لقد جرى، على مدى عقود، تسويق فكرة خطيرة مفادها أن المجتمعات المتنوعة هي مجتمعات مأزومة ضمنياً، وأن الحل يكمن في صهرها داخل نموذج واحد، صوت واحد، ذوق واحد، وسردية واحدة، وهذه ليست دعوة إلى الوحدة، بل دعوة إلى التسطيح.
إن التنوع الديني، والطائفي، والثقافي، والعقائدي، ليس صدعاً في بنية المجتمع، بل هو طبقات عميقة تمنحه القدرة على إنتاج أسئلة جديدة، ومراجعة يقيناته، ومقاومة أي خطاب أحادي يريد أن يحتكر الحقيقة، لكن الهيمنة لا تريد مجتمعات تفكر، إنها تريد مجتمعات تستهلك الأفكار كما تستهلك السلع، تستهلك الصور، والشعارات، والاتجاهات، واللغة، وحتى أنماط الحزن والفرح.
المجتمع المسطّح هو الحلم المثالي لكل مشروع استعماري حيث يسهل عليه التعامل مع أفراد متشابهون، ردود أفعال متوقعة، ووعي مبرمج على الخوف من الاختلاف.
ولهذا لم يكن غريباً أن تُقَدَّم البيئات العميقة، المشبعة بالتاريخ والتعدد، على أنها بيئات خطرة.
فالخطر الحقيقي، في نظر الهيمنة، ليس العنف، بل الوعي؛ والاختلاف وعي التنوع واختلاف الثقافة.
المشاريع المهيمنة تخشى المجتمعات التي ما تزال ذاكرتها حية، والتي لم تُستبدل أسئلتها الوجودية بشهية استهلاكية لا تنتهي.
المجتمعات ذات العمق التاريخي ليست صعبة لأنها متمردة فقط، بل لأنها عصيّة على التفكيك. لان الأديان والطوائف والملل بالنسبة لها ليست مجرد طقوس، بل ذاكرة، والثقافة ليست ترفاً، بل هوية، والتاريخ ليس مادة مدرسية، بل حضوراً يومياً في الوجدان. لهذا تبدو هذه البيئات أقل قابلية للابتلاع.
إنها لا تُهزم بسهولة، لأن داخلها طبقات من المعنى، وشبكات من الانتماء، ووعياً متراكماً عبر قرون.
وعلى النقيض، تُفضَّل بل تدعم البيئات الجامدة، ذات الثقافة الاستهلاكية، لأنها أكثر طواعية.
فهي لا تحتاج إلى تفكيك تاريخ، لأنه غير موجود أصلا، كما لا حاجة إلى مواجهة ذاكرة، لأنها ليست حاضرة ولا حاجة إلى قمع الأسئلة، لأن الأسئلة نفسها لم تولد أصلا.
والأهم ان الإنسان في هذه البيئات كائن لا يسأل: “لماذا؟” بل يكتفي بالسؤال: “ماذا أشتري؟”.
وهنا تكمن الكارثة؛ حين يُختزل الوعي في الاستهلاك، يفقد الإنسان قدرته على مقاومة الهيمنة، لأنه يفقد قدرته على إدراكها أصلاً.
وليس من المصادفة أن معظم من غيّروا الوعي الإنساني، وأصبحوا رموزاً فكرية وثقافية، خرجوا من بيئات تضج بالتاريخ، والاختلاف، والصراع الفكري.
فإذا عدنا إلى تاريخنا نجد أن بغداد في عصر بيت الحكمة كانت المثال الأوضح على أن التنوع يصنع الحضارة في مدينة التقت فيها الفلسفة اليونانية، والعلوم الفارسية، والفقه الإسلامي، والطب الهندي، فخرجت أسماء مثل الخوارزمي والجاحظ، وهي أسماء لم تُنتجها بيئة جامدة ذات نمط واحد، بل بيئة كانت تضج بالاختلاف والاحتكاك والأسئلة؛ وكذلك ادوارد سعيد ابن القدس وفضاء المشرق المتعدد، الذي عاش بين فلسطين ومصر والولايات المتحدة، هذا الامتداد الجغرافي والثقافي لم يكن مجرد سيرة شخصية، بل أصبح منبعاً لفكره النقدي؛ فمن عمق تشظي التاريخ والهوية كتب الاستشراق، ذلك الكتاب الذي هزّ وعي العالم تجاه الطريقة التي تُرسم بها صورة “الشرق” داخل الخطاب الغربي.
فالعقل الكبير لا يولد في الفراغ المعقم، بل في البيئات التي تجبر الإنسان على التفكير، على المقارنة، على الشك، وعلى إعادة بناء المعنى.
إن تسطيح المجتمعات ليس عرضًا جانبيًا للعصر، ولا فكرة طارئة أو ارتجالية بل قد يكون مشروعًا مقصوداً. فحين يُفَرَّغ الإنسان من عمقه، يصبح أسهل قيادة، أسهل توجيهاً، وأقل قدرة على المقاومة. إنهم لا يخشون اختلافنا، بل يخشون ما يصنعه هذا الاختلاف.
* كاتبة وإعلامية عراقية