الرئيسة / العرض في الرئيسة / وحيدا كالسيف (1)
عبد الكريم الرازحي

وحيدا كالسيف (1)

يمنات

عبد الكريم الرازحي

بعد ان غادر الحزب وغادر الماركسية الى الوجودية وغادر الجامعة الى الشارع اصبح سيف عبد الواحد وحيدا كالسيف.

كان قد التقى بالوجودية صدفة في الشارع وكان ذلك قبل انضمامه للحزب وقبل التحاقه بالجامعة.

لكنه لم يتعرف عليها بشكل حقيقي الا بعد انضمامه للحزب وبعد ان قال له مسؤوله الحزبي بأن الوجودية فلسفة عبثية وعدمية محكوم عليها بالموت.

أيامها كانت الوجودية في فرنسا وفي العالم كله متهمة من احزاب اليسار واحزاب اليمين وكانت فلسفة منبوذة وملعونة.

تقيم في الشارع

لكن سيف عبد الواحد وهو عضو في الحزب راح يقرأ كتب الوجوديين الممنوعة والمحظور قراءتها وكان كلما قراء وتعمق اكثر شعر بالمسافة بينه وبين حزبه وبينه وبين رفاقه تتسع وتكبر.

كانت الوجودية كاتجاه فلسفي وأدبي قد غذّت فيه روح التمرد وغذّت احساسه بذاته كفرد وبكرامته كإنسان..

غير ان الوجودية التي ايقظت شعوره بحريته وبفرديته ايقظت لديه في نفس الوقت شعور ابالرعب:

الرعب من الحرية

و في ضوء قراءته للوجودين شعر سيف عبد الواحد بأن الافراد وهم ينضمون للاحزاب والتنظيمات ينضمون اليها خوفا من الحرية وهروبا من المسؤولية..

كان سيف عبد الواحد قد دخل السجن مرتين واختبر شجاعته في غرف التعذيب وخرج مزهوا بكونه لم يعترف برفاقه تحت التعذيب ولم ينكسر لكنه بعد خروجه من السجن اكتشف على ضوء قراءا ته تلك بأنه مسجون في سجن اسمه “الحزب”.

و عندما اكتشف تلك الحقيقة بدا مرعوبا من فكرة مغادرة الحزب..

و هو حين خاف ان يترك الحزب لم يخف من الحزب اومن رفاقه الحزبيين ومن ردود فعلم و انما خاف من الحرية..

الحرية رعب هذا ما تقوله الوجودية وهي رعب ليس لأن الحرية مسؤولية، و انما لان الانسان المحكوم عليه بالحرية محكوم عليه بالعزلة والوحدة ذلك ان الحرية صخرة أعظم من صخرة “سيزيف”.

و تبين لـ”سيف عبد الواحد” بأن الحزبيين الذين عاشوا في ظلال احزابهم هم اكثر الناس خوفا من الحرية..

فالخوف من ان يصبح الانسان وحيدا ومعزولا هو مايدفعه للالتحاق بقطيع من القطعان.

عندما قال سيف عبد الواحد امام ثلاثة من اقرب الرفاق اليه بأن الحزب ابشع من السجن شعر رفاقه بالرعب وسألوه ان يوضح فكرته اكثر..

قال لهم: نحن ندخل السجن من دون ارادتنا ونبقى فيه احرارا بأفكارنا وعقولنا ثم انه اي السجن مهما كانت بشاعته يظل يذكرنا بالحرية..

اما الحزب الذي ندخله بارادتنا فإننا نفقد فيه حريتنا وفرديتنا وفرادتنا ونفقد حقنا في التميز والتفرد وحقنا في ان نكون انفسنا ومع ذلك لانفكر بمغادرته واذا وسوست نفس الواحد منا للخروج الى فضاء الحرية يشعر بالرعب..

واضاف وهو مرعوب من ان يشي به احدهم:

الحزب يارفاق ينسينا حريتنا ويجعل منا عبيدا برغبتنا وبارادتنا فلِمّ لانغادره معا ونقدم نحن الاربعة استقالة جماعية..؟

و فوجئ سيف عبد الواحد يومها برعب رفاقه الثلاثة من فكرة الخروج من الحزب كان كأنه يطلب من اشخاص مسجونين ان يهربوا من السجن المحاط بالحراسة وبالاسلاك الشائكة المكهربة..

يومها سألوه ان كان بعد خروجه من الحزب سينضم الى حزب آخر..!

وحين قال لهم: لا، لم يصدقوه..

و شعروا كما لو أنه قرر الانتحار..

كان رفاقه في الحزب يـُعتقلون ويُعذبون ويواجهون جلاديهم في غرف التعذيب بشجاعة، لكنهم أمام مسؤوليهم الحزبيين لن نقول بأنهم كانوا جبناء ولكنهم كانوا قد تعلموا الطاعة وكانوا مطيعين طاعة عمياء..

كان سيف عبد الواحد واحدا منهم وكان مرعوبا من فكرة ان يغادر الحزب ويعيش وحيدا معزولا بعد ان كان يعيش محاطا بدفء الرفاق ودفء القطيع..

كان الحزب قد سلبه حريته وفرديته وحقه في ان يكون نفسه لكنه بالمقابل وفر له الدفء والشعور بالآمان واعفاه من التفكير ومن اجهاد عقله ومن البحث عن الحقيقة وسيعفيه من تعب البحث عن الوظيفه بعد ان يتخرج من الجامعة وقد يعفيه من البحث عن زوجة ان هو استمر في الحزب.

لكن سيف عبد الواحد غادر الحزب في نفس العام الذي تخرج فيه من الجامعة وحين ذهب يبحث عن وظيفة اكتشف بأن الحكومة في عهد الزعيم ابراهيم الحمدي – رحمة الله عليه، واللعنة على قاتليه – تشترط على كل من يحمل شهادة جامعية أو فوق جامعية و يتقدم لوظيفة حكومية الحصول على شهادة حسن سيرة وسلوك من جهازه الامني ومن جلاده محمد خميس- رحمة الله عليه هو الآخر –

كان سيف عبد الواحد يتردد على “دار البشائر” قصر الامام البدر الذي تحول الى معتقل ومركز تعذيب ومقرا لجهاز الامن الوطني للحصول على شهادة حسن سيرة و سلوك.

توظف جميع زملائه الخريجين وتوظف رفاقه في الحزب وحتى اولئك الذين كان الجهاز يرفض منحهم شهادة حسن سيرة وسلوك بحجة انهم ينتمون لاحزاب وتنظيمات سياسية محظورة كانت احزابهم وتنظيماتهم تتدخل لمساعدتهم. أما سيف عبد الواحد فكان يذهب الى دار البشائر مرعوبا ويعود اكثر رعبا..

و لاكثر من عامين ظل سيف عبد الواحد بلاوظيفة وبلا معين وبلا سند

لقد اصبح فردا نكرة لا مكان له بعد ان غادر الحزب، والفرد لامكان له خارج الحزب، الجماعة، الطائفة، النقابة، و راح يلعن “هيجل” الذي الّه الحشد وقزّم الفرد.

كان رفاقه بعد ان غادر الحزب قد نبذوه ولعنوه واختلفوا بشأنه بعضهم يقول انه غادر الحزب خوفا وجبنا وبعضهم يقول بأنه خرج من الحزب بعد ان تم استقطابه من قبل جهاز الامن، وكان ان وجد سيف عبد الواحد نفسه وحيدا منبوذا ملعونا جائعا ومشردا ومتهما ليس فقط من رفاق حزبه وانما من كل الاحزاب اليسارية التي ارادت ان تستقطبه اليها.

كان اولئك الذين يغادرون احزابهم يذهبون للاحتماء باحزاب أخرى يمينية او يساربة او يرتمون في احضان السلطة او يتم استقطابهم من قبل جهاز الامن ويتحولون الى مخبرين.

و وحده سيف عبد الواحد غادر الحزب وغادر الجامعة الى الشارع وادرك وهو في الشارع بلا سند و بلاد عم وبلا وظيفة معنى قول سارتر: الحرية هي الرعب وقوله: الاخرون هم الجحيم

كان وهو عضو في الحزب قد حور مقولة سارتر، و كان يردد: المخبرون هم الجحيم.

و بعد خروجه من الحزب اكتشف بأن الحزبيين هم الجحيم.

و كان يقول: الشرطي يجلدك مرة مرتين ثلاث مرات..

و مهما كانت الجروح التي يخلفها الشرطي الجلاد في جسدك فإنها تلتئم في الاخير..

أما المثقف الحزبي فيظل يجلدك على طول وهو لايؤذي جسدك وانما يؤذي روحك وجروح الروح لا تلتئم بسهولة.

حين تسلم سيف عبد الواحد اول راتب استاجر غرفة بحمام بحي اليهود القريب من الجامعة وفي اول ليلة له في السكن الجديد فكر ان يحتفل بمناسبة استلامه اول راتب..

اشترى زجاجة فودكا واشترى دجاجة مشوية من محل بشارع القصر الجمهوري، كان اول محل في صنعاء لديه شواية و يبيع الدجاج المشوي و عند عودته الى غرفته هطل مطر غزير..

كان المطر يهطل في الخارج وهو في الداخل يحتسي مطر الزجاجة وينهش مثل ثعلب جائع لحم الدجاجة..

و فيما راح يثرثر مع الزجاجة، و يحكي لها حكايته مع الرفاق والمخبرين تناهى الى سمعه وهو في الربع الأول من الزجاجة صوت خبطات قوية على الباب اعادت اليه كل الرعب الذي كان قد محاه من رأسه بقوة الربع.

المصدر: حائط الكاتب على الفيسبوك

للاشتراك في قناة موقع يمنات على التليجرام انقر هنا

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com