العرض في الرئيسةفضاء حر

بالونة كيري .. والركود العسكري والسياسي في الازمة اليمنية

يمنات

أزال الجاوي

يقال ان الحرب وسيلة من وسائل السياسة او هي النشاط السياسي بشكله العنيف بمعنى انه اذا بلغ النشاط السياسي السلمي ذروته وانسد افقه تُحرك الالة العسكرية لتبديد ذلك الركود او الانسداد لتحقيق الاهداف التي تعثرت الاساليب السياسية السلمية من الوصول اليها او ان تكلفة الحرب كوسيلة تكون اقل من الوسائل السياسية الاخرئ احياناً لذلك تكون البديل الامثل (المقصود بالتكلفة ليس المالية فقط وانما في كل المجالات ) .

عندما بداءت عاصفة الحزم كان اهم مبرراتها انسداد افق الحوار السياسي بين الفرقاء اليمنين من جهة ومن جهة اخرئ استحالة الحوار مع انصارالله باعتبارهم حركة اسلامية راديكالية انقلابية مسلحة لاتقل خطورة عن داعش والقاعدة وتحمل نفس العقلية ونفس الفورمة او الهيكلية التي تجعل منها منظمة ارهابية وان اختلفت في المدرسة الدينية او المذهب لذلك يستحيل الحوار او التفاوض معها ويجب اجتثاثها بالمطلق وهذا ما كان يزعمه ويسوقه التحالف العربي اضافة الى الروابط المزعومة والمبالغ فيها مع ايران في حين كان الغرب وعلى راسه امريكا يرفض وضعهم في قوائم الارهاب بل وينفي خطرهم المحدق المبالغ فيه بل ذهب المجتمع الدولي اكثر من ذلك في اعترافه باتفاق السلم والشراكة وباعتبار انصارالله طرف سياسي يمني يجب اشراكهم في العملية السياسية الا انه وبسبب الحاح دول “التحالف العربي” تراجع المجتمع الدولي عن ذلك ووافق على منح دول التحالف غطاء للحرب ليس على تلك الاسس والمزاعم التي حاولت دول التحالف تسويقها وانما على اساس اخرى وهي اعادة الشرعية والعملية السياسية الى مجاريها وحسم الامور بحرب قصيرة ودقيقة ومركزة وهذا ما التزم به التحالف امام العالم .

انطلقت الحرب وانطلقت معها عملية سياسية ذات مساريين الاول مسار اعادة بناء الشرعية ومؤسساتها والتحالفات بين الاحزاب التقليدية المنضوية فيها ومسار اخر تفاوضي وان بصورة غير مباشرة مع انصارالله “الانقلابين” كان الهدف منه ربما جس النبض وتليينهم كحركة وليس كمواقف فقط واستمرت العمليتان السلمية والحربية في السير بالتوازي الى ان استنفذت كل امكانياتها دون تحقيق شيء جوهري او حاسم في الجانب العسكري او الجانب السياسي وتفاقمت فاتورة الحرب مالياً وسياسياً وانسانياً وكبرت نتائجها المدمرة ووصلت الى مرحلة يصعب تحمل تكاليفها الشاملة وكذلك يستحيل التملص منها او اخفائها.

بالونة كيري الاختبارية 

كان باماكان السعودية ايقاف الحرب والتنصل من مسؤولية نتائجها او اختزال النتائج في الجانب المالي فقط عندما اعلنت انتهاء “عاصفة الحزم” والانتقال الى عملية “اعادة الامل” الا ان تعهداتها للمجتمع الدولية باعادة الشرعية والعملية السياسية الى مجاريها وكذا تطرفها في اقناع العالم بان انصارالله منظمة راديكالية يجب اجتثاثها منعها من اغتنام تلك الفرصة والانزلاق الى مزيد من الحرب والتدمير واضافة مزيد من التعقيدات حتى جاء اجتماع ظهران الجنوب مع انصارالله ليمثل لها طوق نجاة من الحرب وتحويلها من مسؤول مسؤولية كاملة عن الحرب ونتائجها الى راعي للاطراف وللعملية السياسية مقابل تخليها عن شرعية الرئيس هادي ولم يتبقئ شيء الا اخراج ذلك الاتفاق بشكل يكون فيه مقبول للعالم عبر مفاوضات الكويت التي كان يفترض فيها ان تكون انعكاس لما تم الاتفاق عليه في ظهران الجنوب الا ان “الشرعية” رفضت ذلك ووقف معها المجتمع الدولي الذي بدا فيه الامر له كأن هناك حلقة مفقودة لم يستوعبها وهي الفرق بين مبررات الحرب واهدافها التي كانت تسوقها السعودية وبين ذلك الاتفاق الذي هو نقيضها تماماً , لذلك انتهت مفاوضات الكويت دون نتيجة وجاءت مبادرة كيري الذي انتقل بنفسه للمنطقة لمحاولة فهم مايدور بالضبط حاملاً مبادرة تحمل في مضمونها نفس روح اتفاقية الظهران السرية والتي بدت انها لصالح السعودية وانصارالله وضد “الشرعية” التي اريد لها ان تكون كبش الفداء وما ان وافق جميع الاطراف بستثناء “الشرعية” حتى حمل كيري مبادرته معه بعد ان تم وقف او تعليق العمل بها لتتضح الامور فيما بعد انها كانت مجرد بالونة اختبار لكل الاطراف لسبر اغوار مواقفهم الحقيقية وماتم الاتفاق عليه سراً وهذا لايعني انها لم تكن تحمل في طياتها مبادئ عامة يمكن اعتبارها اسس للحل حتى في المستقبل .

في تلك الفترة كان يتداول في الاوساط السياسية ان كيري بعد عودته الى امريكا اخبر قيادة التحالف العربي (السعودية) انهم لايمكن ان يفروا من استحقاقات الحرب وان يتنصلوا امام المجتمع الدولي من اهداف ومبررات الحرب التي وضعوها بانفسهم وتم تذكيرهم باهدافهم و بسقوفهم التي كانت مرتفعة جداً وانه لايمكنهم الهروب الى نقيض ذلك وان امامهم خيارين لاثالث لهما وهما :

– اما الاستمرار في الحرب لتحقيق الاهداف التي وضعوها هم بانفسهم (اي التحالف العربي ) وهي اعادة الشرعية الى صنعاء واجتثاث انصارالله بالكامل .

– او تحمل التكلفة والمسؤولية كاملة (المالية والسياسية والانسانية والاجتماعية …. الخ ) وانعكاساتها السلبية عليهم .

فيما بعد تبنت ادارة الرئيس ترمب نفس ذلك الموقف وهذا ماوضع السعودية في حرج شديد كونها لاتستطيع ان تحقق تلك الاهداف وحتى ان استطاعة فالتكلفة في مختلف المجالات ستكون اكبر من قدرتها على تحملها فهي غير قادرة على تحمل ماسبق فكيف يمكنها تحمل اعباء اضافية قادمة مستقبلاً ان حاولت الحسم عسكرياً , في المقابل كذلك حلفاء صنعاء (الانقلابيون ) وقعوا في نفس المازق بعد ان اعتقدو ان الحل في متناولهم من خلال المفاوضات التي تمت مع السعودية سراً وتقاعسوا عن التمسك بكامل الارض فاصبحوا غير قادرين على استرجاع الاراضي التي ليست تحت سيطرتهم لاعتبارات كثيره اهمها عدم مقدرتهم على تحمل اعباء وتكلفة استرجاعها وادارتها والدفاع عنها كالمناطق التي تخضع لهم وكذلك غير قادرين على تقديم اي تنازلات اضافية لمعرفتهم انه سيتم تحميلهم مسؤولية الحرب ونتائجها وفي ذلك نهايتهم وربما لعقود طويلة , لذلك كان ذلك الانسداد والركود في مسرح العمليات على امتداد كل الجبهات وكذا في العملية السياسية والذي اوصل الازمة اليمنية لحالة الا حرب والا سلم الاستنزافية (المقصود بلاحرب اي لاحرب حاسمة والاسلم اي لاتوجد عملية سلمية تفضي لحل نهائي ).

تجميد بالونة كيري او مبادرته ووقف تنفيذها انعشت في اذهان الاطراف الاقليمية والمحلية الاسئلة الاهم عن ماهية تكلفة الحل ؟ ومن سيتحمل التكلفة ؟ وهل يمتلك طرف بمفرده القدرة على تحمل تلك التكلفة ؟ 

كما كشف للجميع ايضاً ان حالة الركود والانسداد تلك ستستمر الى حين امتلاك الاطراف الاجابة على تلك الاسئلة حينها فقط سيمكن تحريك ذلكم الركود وانهاء الحرب سواء بالحسم العسكري لاحد الاطراف او بالسلم وبالعمل السياسي ..

زر الذهاب إلى الأعلى