العرض في الرئيسةفضاء حر

سبتمبر ممزق

يمنات

لطف الصراري

ما زال اليمنيون في المحافظات الشمالية، يضعون أيديهم على قلوبهم خشية أن ينفجر الوضع بين صالح و”الحوثيين”. ورغم أن الاجتماعات القيادية المعلنة بين الطرفين لعبت دوراً في تهدئة أنصارهما، وبالتالي خفض منسوب هذه الخشية، إلا أن الحيرة عادت لتسود الموقف مع ظهور بوادر خلاف جديدة حول الاحتفاء بذكرى ثورة 26 سبتمبر. ما الذي يفترض أن يفعله اليمنيون ليتجنبوا مزيداً من الصراع أو ليتجنبوا فصولا أكثر تشعباً في هذه الحرب الملعونة؟

كما لو أن البلاد لا تشهد أسوأ حرب في تاريخها المعاصر، تمضي مظاهر الاحتفال بالذكرى الثالثة لسيطرة «الحوثيين» على العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر 2014، باعتبارها ثورة ضد الظلم والفساد. في أوضاع أخرى، ربما كان من السهل على «الحوثيين» أن يتحدثوا عن «ثورة 21 سبتمبر»، وأن يكسبوا الكثير من الجماهير إلى صفها. لكن الجماهير في ظل الحرب والحصار والانقسام الوطني الذي وصل حد تشكيل حكومتين وعاصمتين ورئيسين وشعبين، كيف لهذه الجماهير الجائعة والخائفة والتائهة، أن تشعر بمعنى ثورة جديدة تقدّم نفسها لتحل محل ثورة عمرها 55 سنة..؟ إضافة لذلك، أن يتم التصرّف بعدائية تجاه ثورة اعتاد اليمنيون أن يحيوا ذكراها السنوية خلال أكثر من نصف قرن، مع ما رافق هذا الاحتفاء من تكريس منهجي لترسيخها كثورة قلبت نظام الحكم منذ يومها الأول.

دعونا نتعامل مع وضع يفرض وجود ثورتين كأمر واقع، بغض النظر عن تحقق أهدافهما، ثورة قلبت نظام الحكم بصورة حاسمة من ملكية إلى جمهورية، وأخرى مرّ عليها ثلاث سنوات وما زالت تحكم باسم الجمهورية. مثل هذا الوضع حدث في فرنسا أكثر من خمس مرات، لكن لم يتم إلغاء الثورة الفرنسية الأم من التاريخ. لم يتمكن أحد من فعل ذلك في الواقع. ولهذا، فإن الخشية الزائدة على الثورة السبتمبرية الأم من الطمس ليس وجيهاً. ذلك أن محاولة طمسها لا يفعل شيئاً عدا استفزاز جماهيرها، والجماهير تصمت طويلاً وتضج طويلاً بالمقابل، لكن مع كلفة باهظة جرّاء التدمير والفوضى الذي تحدثه.

يصف فرانسوا فورييه – أحد كبار مؤرّخي الثورة الفرنسية – تاريخ القرن التاسع عشر بأنه «تاريخ من الثورات والارتداد عليها». لذلك، لا أحد عاقل يلعب على ورقة تهييج الجماهير ضد ثورة راسخة أو استنفارهم للدفاع عنها. التراكم التاريخي سيدافع عن نفسه أو أنه في حال العبث به، سوف يتحوّل إلى وباء اجتماعي.

كل مظاهر الاحتفال بـ«الثورة السبتمبرية» على مدى نصف قرن، تلاشت مؤخراً بالتدريج ، وتلاشى معها الأمل بجدوى الثورات من أساسها. وإلى ما قبل 21 سبتمبر 2014، كان الاحتفال بذكراها السنوية تقليداً اعتيادياً إلى درجة يبدو مملاً. وإذا ما سألت قبل هذا التاريخ أحداً من سكان الجبال أو المناطق النائية عمّا يعنيه له 26 سبتمبر، لأجابك بأن الجمهورية لم تصل إلى منطقته بعد. فرغم التحولات الاجتماعية والسياسية الكبيرة التي أعقبت ثورة سبتمبر الأولى، لم تحقق أهدافها المتعلقة على سبيل المثال، بالقضاء على “الفقر والجهل والمرض”، وإلى وقت قريب، ظلت اليمن تصنف في ذيل قوائم القياس العالمي للدخل القومي والفردي، ومستوى التعليم، والصحة السكانية. أما فيما يتعلق بـ«إزالة الفوارق الطبقية»، فإن ثورة 62 لم تحقق ذلك بصورة جذرية بقدر ما تم استبدال «السيد» بـ«الشيخ».

إذا ما أخذنا هذه المقولة بعين الاعتبار، فستعيدنا الذاكرة القريبة إلى ما قبل ثلاث سنوات حين شاعت المقولة نفسها لكن معكوسة، على إثر تغلبّ «الحوثيين» على أولاد الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، وحين سيطروا على بيوتهم واستمالوا عصبتهم القبلية إلى صف «السيد». هكذا تؤول الأمور عندما يتم احتكار ثورة شعب والتصرّف بمقدراته في غير مصالحه، ناهيك عن محاولة إلغاء ثورة تربى عليها جيل كامل من الشعب، في لمح البصر، وفي ظل جوع وحرب وحصار وعدوان خارجي.

الثورات بمضامينها، والتاريخ على المدى البعيد والمتوسط والقريب، حافل بالعبر من هذا النوع. وإذا ما سألت الآن أحداً من سكان الجبال أو المناطق النائية عمّا يعنيه له 26 سبتمبر، وما يعنيه له 21 سبتمبر، فسينتصر لوجدانه الذي شكلته الثورة الأولى مهما كان جريحاً، أو في أسوأ الاحتمالات، سيشتم الثورتين معاً وينصرف لكسب لقمة عيشه.

ثمة شعور جمعي بالهلاك، ولا ينقص اليمنيون أن يحل عليهم سبتمبر هذا العام ممزقاً أكثر من أي وقت مضى؛ تماماً كحالهم وحال البلاد وقادتها. يكفي الوجدان الوطني ما فيه من اضطراب مزمن.

المصدر: العربي

للاشتراك في قناة موقع يمنات على التليجرام انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى