العرض في الرئيسةفضاء حر

الصولجان الخليجي يفرض على الجنوب مشروع “الاقلمة”

يمنات

صلاح السقلدي

قال الأخ راجح بادي، المتحدّث باسم الحكومة اليمنية الموجودة بالعاصمة السعودية الرياض (حكومة د. أحمد بن دغر)، في مداخلة له على شاشة قناة «الجزيرة» القطرية، قبل يومين: إن الحكومة اليمنية تبارك بقوة الخطوة التي أعلنت قبل أيام في حضرموت من قِبل «مؤتمر حضرموت الجامع»، بشأن إعلان إقليم حضرموت، مُعتبراً الخطوة التي وصفها بالجريئة بأنها تصُبُّ في خانة جهود الحكومة الساعية لتنفيذ مخرجات الحوار الوطني التي تنص على قيام دولة يمنية اتحادية من ستة أقاليم، مضيفاً أن مخرجات الحوار ومشروع الدولة من ستة أقاليم هو الحل للأزمة باليمن، باعتبارها – وفقاً لكلامه – مشروعاً سياسياً يحظى بتوافق شعبي، وأن البديل عن ذلك – والكلام هنا ما زال لبادي – هو المركزية التي كانت بعهد حكم الرئيس السابق، علي عبد الله صالح.

هذا الموقف من الحكومة اليمنية حيال ما أُعلن في حضرموت لم يكن مستغرباً – على الأقل عند كاتب هذه المقالة – فكما قلنا بمقالة لعدد من الصحف الإلكترونية والورقية غداة ذلك الإعلان أن تلك الخطوة التي أعلنها ما يسمى بمؤتمر حضرموت الجامع تعبّرُ صراحة عن رغبة وموقف الحكومة اليمنية، وبالذات «حزب الإصلاح» اليمني والجماعة الجنوبية النفعية المحيطة بالرئيس عبد ربه منصور هادي، ومن وراء هؤلاء جميعاً تأتي الرغبة السعودية والإمارتية بتنفيذ ذلك المشروع ضداً للرغبة الجنوبية.

حتى وإن كان ذلك الإعلان يتحدث عن إقليم حضرموت بحدود محافظة حضرموت فقط، دون المحافظات الثلاث الأخرى (شبوة، المهرة، سطقرى) التي يُراد لها أن تكوّن إقليم حضرموت المزعوم مع المحافظة المسمى باسمها، ولكن هذه الإشكالية مؤكد أن حكومة بن دغر أو غيرها من الحكومات الموالية للسعودية ستعمل في حال كُتب لهذا المشروع النجاح، من خلال ترويض الحصان الحضرمي بالمستقبل، من خلال شخصيات يناط بها مثل هكذا مهمام.

كل هؤلاء، وفي ذات الوقت الذي يعتري فيه جزءاً كبيراً من النخبة الجنوبية، وبالذات داخل الحراك الجنوبي (الثورة الجنوبية)، صمت مريب ومخز بهذه المرحلة المفصلية الهامة، ينفذون قولاً وعملاً مشروع دولة الستة أقاليم الذي تمت صياغته بدون أدنى مشاركة جنوبية. تمت صياغته في لحظة كان فيها الجنوب في أضعف حالاته، ومع ذلك رفضه بقوة برغم صعوبة وضعه وضعف قوته وحيلته على هذه القوى المتغطرسة، والتي هي ذاتها التي غزته عام 94م، مع إضافة بعض البهارات والمقبلات.

يعرف المتحدث باسم الحكومة اليمينة القابعة بالرياض أنه يكذب كما يكذب غيره من مسؤولي ما تسمى بالشرعية، حين يقول إن مخرجات حوار صنعاء – الذي قال عنه د.ياسين سعيد نعمان أنه قد شطب القضية الجنوبية شطباً كاملاً – مشروع يحظى بتوافق شعبي. فهذ القول كذب في كذب، ويقوله هؤلاء دون أن تتملكهم ذرة من الخجل أو حياء. فهذا المشروع لم يحظ حتى بتوافق نخبوي شمالي، فما بالك بالجنوب الذي غابت وغُيّبت عنه إرادة النخبة الجنوبية، فضلاً عن الشعبية؟

للأسف كل المؤشرات اليوم خلف الكواليس في عواصم دول الخليج وعلى أرض الواقع تشير بوضوح تام إلى مُضي القوى اليمنية الموالية للسعودية والإمارات، ومن خلفها بالطبع هذه الدول، بتنفيذ ذلك المشروع وفرضه بالقوة على الجنوب برغم معرفتها أنه مشروع لا يلبي ولو الحد الأدنى من الحل العادل للقضية الجنوبية، وتمت صياغته بطريقة الفهلوة و«الكلفتة»، بقيادة الرئيس المذعن هادي، ومع ذلك تسير هذه القوى وهذه الدول قُدماً بتنفيذه بكل فجاجة وصفاقة، ولا تعير وزناً ولا تقيم أدنى اعتبار للقوى الجنوبية، وتلك التي شاركتهم صنع النصر العسكري على خصومها بالجنوب.

للتذكّر:

لحل الأزمة اليمنية الحادة التي جرت عام 1992م بين شريكي الوحدة، «المؤتمر الشعبي العام» و«حزب الاصلاح» كطرف شمالي، و«الحزب الإشتراكي اليمني» كطرف جنوبي، جرى بعد مخاض عسير التوصل إلى مشروع سياسي اسمه «وثيقة العهد والإتفاق»، تم التوقيع عليه بالعاصمة الأردنية عمّان، ليس فقط ليكون حلاً لتلك الأزمة، ولكن ليكون مشرعاً سياسياً وإصلاحياً مستقبلياً طموحاً. كانت فكرته الأساسية مبنية على فكرة تقسيم اليمن إلى أقاليم (مخاليف)، مع تحفظ الطرف الشمالي بكل قواه السياسية والقبلية، مؤسسته الدينية المتشددة، باستثناء القوى اليسارية والوطنية على قلة تأثيرها بالساحة.

ولأن القوى الشمالية النافذة، وبالذات حزبا «الإصلاح» و«المؤتمر»، وبرغم أنها شاركت بفاعلية بصيغة ذلك المشروع (وثيقة العهد) إلا أنها كانت ترى فيه نهاية لمستقبلها السياسي المبني على وضع اللادولة واللاقانون، فقد أضمرت لذلك المشروع كل نواياها وشيطنتها، وطفقت تعمل على إفشاله عسكرياً، معززة بحملة تكفيرية واسعة النطاق من قِبل المؤسسة الدينية التكفيرية، وشنت تلك الحرب التي شاهدها العالم كله عام 1994م للحيلولة دون تنفيذه، وكان لها ما أرادات. فبعد انتهاء تلك الحرب كان مجرد الحديث عن تنفيذ ذلك المشروع ضرباً من العبث، بل والخيانة في نظر تلك القوى. فما زلنا نتذكر تصريحات تلك القوى، ومنهم نائب الرئيس حينها، عبد ربه منصور هادي، عن كل من يطالب بتنفيذ ذلك المشروع (وثيقة العهد والاتفاق) أو «وثيقة الغدر والانفصال» كما سماها إعلام سلطة ما بعد تلك الحرب: «هو خائن وعميل مدعوم بالمال المدنس».

وذلك الوضع والرفض لتنفيذ ذلك المشروع كان منطقياً ومتوقعاً، بحكم أن أحد طرفي الصراع قد أصبح بوضع المنتصر المستحوذ على كل مقاليد الأمور. وأصبح المنتصر هو من يقرر نوعية المشاريع السياسية التي ستطبق.

ولمقارنة وضع ما قبل وبعد حرب 94م بوضع ما قبل وبعد حرب 2015م، سنجد أن ثمة مفارقة لا نظير لها بالتاريخ الحديث.

فالقوى الشمالية التي شاركت بفاعلية بصياغة مشروع ما قبل حرب 94م (وثيقة العهد) قد شنت عليه حرباً شاملة لعدم تنفيذه، واعتبرته بعد تلك الحرب مشروعاً في ذمة التاريخ لا يجوز الحديث عنه. واليوم، الجنوب الذي لم يشارك أبداً ولم يسمح له بصياغة مشروع ما قبل الحرب الأخيرة 2015م (مخرجات الحوار)، وبرغم أنه بوضع المنتصر عسكرياً، يتم اليوم تطبيقه عليه غصباً عنه من قبل قوى لا تملك أي قوة على الأرض، سوى الصولجان الخليجي.

مسكين هذا الجنوب، حتى حين ينتصر فهو مهزوم، فالأمر سيّان!

للاشتراك في قناة موقع يمنات على التليجرام انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى