العرض في الرئيسةفضاء حر

شعب يخرج تحت القصف والنيران ليشتري عودي قات ليتابع الأحداث وهو مفتهن

يمنات

فكري قاسم

صح إن احنا نعيش ظروف قاسية وعصيبة وملخبطة من كل شق ومن كل اتجاه، لكننا في حقيقة الحال شعب عريق يتمسك بالحياة وينبعث من جديد وسط ركام قذائف المتلابجين فوق رأسه الجن وأم الصبيان.

صح إن المشاكل متلتلة فوق رؤوسنا من كل جانب: الدين والعسكر والمشائخ وحروب المذاهب ونذالات النخب والساسة وعيال السوق وسفالات الجوار، لكننا لو جيتوا للصدق شعب صبور ولا يموت.

صح إن البلاد تنطحن فوق رؤوسنا طحن، وهناك حرب شعواء ضد الحياة وضد العلم وضد الجمال، لكننا وعلى الرغم عن كل ذلك شعب جبار وعظيم، وتلاقي الواحد منا يخرج تحت القصف والنيران ليشتري له عودي قات عشان يتابع الأحداث وهو مفتهن.

صح إن سبل الحياة في بلادنا التي نحبها تضيق بنا أزيد من خرم إبرة، ولو أن هذه المشاكل اللي نعيشها كشعب يعيشها شعب آخر غيرنا حرام إن قد انتهوا ولاعد بقي منهم أثر، لكننا شعب توارث جيناته المتشبثة بالحياة من أجداد قدامى صارعوا في أول الدهر وحوش ضارية، وطوعوا الطبيعة القاسية لصالحهم وتركوا لأحفادهم – جيلاً بعد جيل – جينات عنيدة لا تهزمها الحروب ولا خيبات الأمل أو نكبات الدهر.

صح إننا نعيش ظروف انحطاط مهولة، وقد احنا تاعبين حروب وكراهية وأحقاد، وكل واحد مننا يعيش اليوم مرحلة الإرهاق النهائي، لكننا شعب حبوب ومثابر وبسيط، وتعوزنا دائماً قيادة تتمتع بالعقل وبالحكمة لتجنيبنا مآلات الحروب وكوارثها المتلاحقة.

صح إن قد احنا محبطين ومكسرين وتائهين، والفقر ينهش أمانينا وأحلامنا البسيطة، لكننا شعب جسور وعظيم، وتلاقي اليمني يعيش الحياة بشغف عريس في ليلة الدخلة. وتلاقي فينا شبان وشابات يتألقوا في الفضائية هذه، وينافسوا بقوة في المسابقة تلك، ويحصدوا الجوائز والتقدير معاً.

صح إن احنا شعب طيب ويتم استغفالنا دائماً تحت نفس الدواعي ونفس المبررات ونفس الأفكار، لكن هذا لا يعني أننا شعب سمج، بل نحن شعب أصيل تخوننا دائماً نذالات أرذل الخلق.

صح إن احنا نعيش منذ سنتين في ظروف حرب عبثية وطائشة ومجنونة جعلتنا نتذوق مهانات الحاجة، وجرعتنا أهوال الموت وعذابات الفرار من رصاص المجانين والنزوح من بيوتنا التي ولدنا وتربينا فيها لننتقل مجبرين ومكرهين إلى أماكن لم يكن لنا علاقة بها من قبل، ولكننا لا زلنا نعيش لأننا شعب من فولاذ، ومصائبنا من صنيع شوية طراطير يعرفهم كل اليمنيين.

صح إن احنا شعب يعيش بلا دولة ولا أمن ولا أمان ولا كهرباء ولا رواتب ولا مناشط ولا منافذ مفتوحة ولا عقلاء يفرعوا لنا من مصائب الدهر التي تجمعت كلها فوق رؤوسنا دفعة واحدة، لكننا سنعيش غصباً عن تجار المآسي والحروب.

صح إن احنا الآن شعب مشتبك مع بعضه، وكل واحد ماسك شعر الثاني، لكننا يوماً ما سنتجاوز كل هذه الصعاب لأننا شعب عركته التجارب ونعيش على فطرتنا الطيبة.

صح إن هذه البلاد مقبرة والموت فيها وفير، لكن إنسانها إبن الحياة، وإبن الحياة لا يموت، ولا تهزمه ظروف الإنحطاط، وهناك دائماً من ينجح ويخبر العالم بأن اليمنيين مش هم شعب عابر.

صح إن المآسي اللي شفناها خلال هذه الفترة الصعبة كثيرة، وأكلت ضحكات قلوبنا، لكننا أرق قلوب وألين أفئدة، وعند اشتداد المحن بالذات يتحول إنسان اليمن – بقدرة ذهنية سريعة – إلى قلب ضحوك يسخر من كل شيء… من الموت ومن الحياة ومن الشخوص الذين تسببوا في صناعة المحن.

المصدر: العربي

للاشتراك في قناة موقع يمنات على التليجرام انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى